قانون المصالحة : السقوط المدوي

تونس في 1 ماي 2017 لم يفلحْ مشرُوع قانون المصالحة المقترح من رئيس الجمهورية ، الى حدِّ المحاولة الثالثة ، في الحصول على تأييد سياسي مريح واقناع الشارع التونسي، رغم المحاولات المتعددة لترويجه، عبر تجنِّد فريق عمل كامل من قبل مؤسسة رئاسة الجمهورية لاقناع المواطن التونسي بأن الأموال المسترجعة عبره ستوفر عديد مواطن الشغل وستوظف في الاستثمار في المناطق الداخلية، وذلك في حيلة ممنهجة لتغليف الطابع السياسي لمشروع القانون بقناع اقتصادي صرف.مشروع القانون، الذي يعصف بمسار العدالة الانتقالية، ضاربا عرض الحائط  "القطيعة مع الماضي" كي يؤسس لاستئناف اعادة انتاج نفس النظام السياسي والاقتصادي بنفس الميكانزمات، كان سببا أساسيًّا في بروز حراك رفض شعبي متمثل في  "مانيش مسامح" ، كحملة شبابية للوقوف في مواجهة هذا القانون، وذلك كآخر شعلة للثورة التونسية، هذا الحراك الذي أسقط مشروع قانون المصالحة في دورتين متتاليتن، كمسودة منفردة وكفصولٍ حاول نوَّاب السلطة تمريرها صلب قانون المالية، قد نجح بدورِهِ في حشد مسيرة كبيرة في شارع الحبيب بورقيبة يوم السبت الفارط، خالقا أشكالا جديدة من الاحتجاج ، بطابع شبابي صرف، عبر خلق محركات جديدة للشارع، أعادت اليه النبض بعد ركود نسبي.استعمال الطبول كاشارة لاعلان الحرب على الفساد، أقنعة "أنونيموس"، رفع الشعارات البعيدة عن التجاذبات الحزبية والموجهة أساسا نحو التنديد بالفساد والتشهير بالفاسدين، كلها عوامل نجحت في استقطاب المواطن العادي لتبني الاحتجاج، بعد أن نفرَ من الصراع السياسي المتمركز حول السلطة والقضايا الهامشية التي لا تعني المواطن العادي. هذا اضافة الى الروح الشبابية المؤطرة للحملة، من شباب مستقل حزبيا . وقد نجح حراك مانيش مسامح، بعد نجاح السلطة النسبي في امتصاص تأثير "الشارع" وتحول الاحتجاجات الى حدث نمطي لا يثير المواطنين، في خلق آليات جديدة أهمها الاستقلالية، غياب الوجوه السياسية المعتادة، والحضور الذكي في وسائل التواصل الاجتماعي.وقد عمل "الفريق" المشكَّل من قبل لرئاسة الجمهورية، على حشد دعاية ممنهجة لمهاجمة هيئة الحقيقة والكرامة والتقليل من نجاعة عملها واعتبارها هيئة مختزلة في شخص "سهام بن سدرين" ، الى جانب العمل على تشويه حراك مانيش مسامح واعتباره امتدادًا لمناصرة رئيسة الهيئة وحتى للرئيس السابق منصف المرزوقي، وهي حجج مردودٌ عليها باعتبار أن الناشطين صلب الحراك قد أعربوا عن جملة من التحفظات فيما يتعلق بسير عمل هيئة الحقيقة والكرامة وباستقلالهم عن كل مكون سياسي، هذا دون الامتناع عن تبني أحزاب سياسية أو جمعيات ومنظمات للحملة وهدفها الأساسي المتمثل في اسقاط قانون المصالحة بكلِّ صِيغه.قانون المصالحة، في حلته الجديدة،  ودون أي غطاء دستوري، سَحب البساط في فصله الأخير من هيئة الحقيقة والكرامة فيما يتعلق بملفات الفساد الاقتصادي والاداراي، كي يحيلها للجنة تكون كل أعمالها سريّة، اضافة الى أن تقديم الاعتذار لن يكون للشعب التونسي، بل للجنة تنشر أعمالها في تقرير نهائي، اضافة الى فتح الباب أمام المهربين وبارونات الفساد لايداع أموالهم دون محاسبة فيما يتعلق بجرائم الصرف. ومن الغريب استخدام أبواق المدافعين عن النسخة الجديدة من مشروع القانون لتوصيات لجنة البندقية كغطاء "يشرِّع" لقانون المصالحة معتبرين أنها لم ترى في وجود هيئتين مختلفتين ضربا لمسار العدالة الانتقالية، هذا على الرغم من أن تقرير لجنة البندقية قد وضح أن وجود لجنتين سيكون مشروعا الا في حالة عدم المساس بمسار العدالة الانتقالية، وهو ما لا نجده صلب مشروع قانون المصالحة، الذي قام أساسا على حسابات ومُقايضات سياسية مع رجال أعمال قاموا بتمويل الحملة الانتخابية للرئيس الحالي وحزبه، الى جانب محاولة أخيرة لانقاذ أصدقاء الأمس عبر عفو شامل يحميهم من التتبعات القضائية.على صعيد الأجندات الحزبية، فان حركة النهضة، المتميزة بازدواجية خطابها، قد أذعنت في النهاية للضغط الشعبي، ليصوت البارحة مجلس شورى الحركة ضد مشروع قانون المصالحة في صيغته الحالية، وذلك في مناورةٍ سياسيةٍ تظهرها في ثوب المتبني للمطالب الشعبية، دون خسارة حليف السلطة نداء تونس، الذي ستواصل  التفاوض معه بمنطق سياسي دون الاهتمام بالجانب القانوني المنهار أساسا لمشروع القانون. 

قانون المصالحة. المعركة مازالت طويلة


تنهض الدعاية الرسمية لمشروع المصالحة على عنصر رئيس، هو تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية للبلاد، التي وصفها أحد الخبراء العاملين لدى السلطة بأنها « على مشارف الإفلاس »، ولكن في حقيقة الأمر يرتبط مشروع القانون بهدف سياسي محوري، عبّر عنه النص بـ »طي صفحة الماضي نهائيا »، ولعل المدخل الرئيسي والوحيد لطي هذه الصفحة إلى الأبد هو « المصالحة » ولم يتضمن النص إشارات إلى « المساءلة » أو « المحاسبة »، وإنما اكتفى ببعض الإشارات العامة الملتبسة من قبيل « ضمان كشف الحقيقة » و »بيان الوقائع ».


 نشر في صحيفة الجزائرية  للاخبار.
قانون المصالحة  المعركة ما زالت طويلة  

 تونس   محمد خليفي 

أدخل  مشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية الذي أصدرته رئاسة الجمهورية التونسية وصادق عليه مجلس الوزراء  منتصف شهر جويلية الماضي ،  التونسيية في حالة من الجدل  والخلاف ، الأوساط الإعلامية والسياسية والحقوقية  إختلفت في توصيف وبتربر القانون .
رجال القصر  ساهموا من خلال الدفع بهذا المشروع   في فتح معركة جديدة متعددة الأبعاد والأهداف والوسائل، وستترتب عنها آثار ونتائج قد يكون بعضها طويل الأمد.

اُصدِر هذا المشروع في سياقات اقتصادية وسياسية وأمنية يطغى عليها التدهور والارتباك، وقد مثّلت هذه العناصر مجتمعة مرتكزا « قويا » استند إليها نص القانون وأسَّسَ عليها أهدافه، وفي نفس الوقت طرح هذا المشروع نفسه كـ »حل عملي » لتجاوز الأوضاع القائمة، وبهذه الكيفية ذاتها يسوّق له أصحابه في وسائل الإعلام مُتّهمين معارضي القانون بأنهم « لا يعون حقيقة الأوضاع الأمنية والاقتصادية ».

ويبدو أن توصيف حالة البلاد، من منظور نص المشروع، لا يخلو من « التوظيف » بل يحكمه بالأساس منطق التوظيف، الذي تغذيه جملة من الخلفيات الحزبية والسياسية والاجتماعية، التي يمكن استجلاءها من خلف السطور « القانونية ».



قانون سياسي مُغلّف بطموحات اقتصادية

تنهض الدعاية الرسمية لمشروع المصالحة على عنصر رئيس، هو تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية للبلاد، التي وصفها أحد الخبراء العاملين لدى السلطة بأنها « على مشارف الإفلاس »، ولكن في حقيقة الأمر يرتبط مشروع القانون بهدف سياسي محوري، عبّر عنه النص بـ »طي صفحة الماضي نهائيا »، ولعل المدخل الرئيسي والوحيد لطي هذه الصفحة إلى الأبد هو « المصالحة » ولم يتضمن النص إشارات إلى « المساءلة » أو « المحاسبة »، وإنما اكتفى ببعض الإشارات العامة الملتبسة من قبيل « ضمان كشف الحقيقة » و »بيان الوقائع ».

ولعل « طي صفحة الماضي » عندما يرتبط أساسا بالمصالحة كشرط وحيد وضروري يصبح بالإمكان أن نفهم أن المقصود من هذا الربط هو « التصالح مع الماضي »، وهنا ليس الماضي بصفته مرحلة مازالت تؤرقنا وإنما التصالح مع نتائجه المادية التي أدت إلى الثورة، والتي يعتبر الفساد المالي والإداري أهمها.

ومن هذا المنطلق يضعنا هذا المشروع في مرحلة جديدة، تنتهي فيها حالة « القطيعة » التي دشنتها الثورة، ويستأنف فيها « الماضي » فعالياته من خلال المصالحة أو من خلال ما يعبر عنه بعض مثقفي السلطة بـ »جدلية استمرار الماضي في الحاضر ». ويعتبر العفو على الموظفين وأشباههم من المتورطين في الفساد المالي والإداري مدخلا لإعادة إدماجهم في مؤسسات الدولة، وبالتالي إعادة إنتاج نفس الأسباب البنيوية التي ساهمت في إضعاف اقتصاد الدولة وفساد أجهزتها وأدت إلى التفاوت الاجتماعي الذي أدى بدوره إلى الثورة.

ومما لا شك فيه أن هذا الخيار يكشف عن ملامح النظام السياسي الجديد وتركيبته الطبقية وارتباطاته الداخلية والخارجية. هذا النظام الذي تقبض داخله مؤسسة الرئاسة على شرايين العملية السياسية، من خلال استغلال القليل المتيسر لها من الصلاحيات الدستورية، ومن خلال قدرتها العجيبة على إخضاع الحكومة التي أصبحت « خادمة » لأجندات القصر، وأيضا تحكّمها في المسار البرلماني بواسطة امتلاك أغلبية برلمانية مريحة قائمة على تحالف متماسك –إلى حد الآن- بين كتلتي حزب نداء تونس وحزب حركة النهضة. ولعل الأهم من هذا فإن مشروع القانون يعرّي بوضوح التركيبة الاجتماعية التي يؤسس عليها النظام السياسي خياراته ويَعقد عليها رهانات كبيرة من أجل تأمين مرحلة « الاستمرار » التي أشرنا إليها سابقا، وتتألف هذه التركيبة أساسا من كبار الموظفين ورجال الأعمال الفاسدين الذي شكلوا ومازالوا يشكلون القاعدة الاقتصادية للأنظمة السياسية المتعاقبة التي حكمت البلاد.

ولتأمين هذه المرحلة تستخدم السلطة السياسية الجديدة بزعامة القصر جملة من الوسائل وتراهن على إبرام جملة من التسويات السياسية خصوصا مع الحزب الذي يمتلك ثاني أكبر كتلة برلمانية داخل مجلس الشعب، حزب حركة النهضة.



هيئة بن سدرين هدف للدعاية الرسمية

كان واضعو مشروع قانون المصالحة على دراية بأن أول معارضة « مؤسّساتية » ستأتيهم من هيئة الحقيقة والكرامة التي ترأسها « سهام بن سدرين »، لأن القانون يسطو على بعض صلاحيات هذه الهيئة من خلال سحب آلية التحكيم والمصالحة في قضايا الفساد المالي والجرائم الاقتصادية من لجنة التحكيم والمصالحة التابعة لهيئة الحقيقة والكرامة، ولبلوغ هذا الهدف حاول نص القانون مغازلة الهيئة عبر التنصيص على أن المشروع « يرمي إلى تدعيم العدالة الانتقالية » وعبر تشريك الهيئة في لجنة التحكيم التي ستشرف عليها الحكومة بعضوين من أصل 6 أعضاء.

ولكن هذا لم يكن كافيا لاستمالة الهيئة التي سارعت إلى إصدار بيان عبّرت فيه عن رفضها لمشروع القانون برمته، وبالتالي سعى الحزب الحاكم إلى إضعاف موقف الهيئة من خلال ترويج خطاب « دعائي » تحتشد فيه الحجج « الذاتية » (ضد سهام بن سدرين) والسياسية والحقوقية التي تظهر الهيئة بمظهر العاجز، ليس فقط على القيام بمصالحة اقتصادية وإنما العاجز أيضا على تأمين مسار العدالة الانتقالية بشكل عام. كما راهنت السلطة على إضعاف الهيئة من الداخل ولعل الرسالة الأخيرة التي بعث بها نائب رئيس الهيئة « زهير مخلوف » إلى رئيس مجلس النواب محمد الناصر تندرج في هذا السياق، حيث ركّز صاحب الرسالة على ما أسماه بالدور التحريضي الذي تقوم به رئيسة الهيئة ضد قانون المصالحة معتبرا ذلك تهديدا لمؤسسات الدولة ولمسار العدالة الانتقالية. وفي الحقيقة قدّم هذا التوصيف -الذي تغذيه بالأساس نزعات « ذاتوية »- خدمات دعائية جليلة للحزب الحاكم الذي أصبح صداه يردد « وشهد شاهد من أهلهم ».

ولعل إضعاف هيئة الحقيقة والكرامة لا يعتبر غايةً في ذاته لأن الجميع يدرك أن هذه الهيئة تعاني من نقائص في تركيبتها وفي قوانينها علاوة على أنها تأسست وفق موازنات حزبية تعود إلى فترة حكم الترويكا، وإنما الهدف الرئيسي من هذه الحملة هو كسر آخر وعاء « دستوري » حامل لفكرة العدالة الانتقالية القائمة على المسائلة والمحاسبة ثم المصالحة، وبالموازاة مع ذلك يجري التأسيس لمسار جديد تترابط فيه مصالح الطبقة السياسية الجديدة مع مصالح الطبقة المالية والاقتصادية الفاسدة التي تضررت بشكل أو بآخر من التغيير السياسي والتشريعي الذي حمله مشروع الثورة.



حركة النهضة ولعبة التسويات

تمثل هيئة الحقيقة والكرامة في نهاية المطاف -بالنسبة إلى الحكام الجدد- فصلا من صفحة الماضي الذي يطمح مشروع المصالحة إلى طيّه، ولكنها جزء من الماضي القريب الذي مازال أبرز صانعيه، حركة النهضة، لاعبا مؤثّرا في الساحة السياسية وشريكا في الحكم وحليفا في البرلمان، وبالتالي لا بد من تسوية الحسابات حول هذه التركة التي طالما افتخرت بها حركة النهضة، ولكن كيف سيتم ذلك؟

إلى حد كتابة هذه الأسطر يظهر موقف النهضة « سلبيا » إزاء هيئة بن سدرين لأن الحركة لم تنخرط في دعاية مضادة ترد الاعتبار لهيئة الحقيقة الكرامة وإنما اكتفى قادتها بالإشارات العامة التي تحيل إلى أنهم مع مبدأ « المحافظة على مسار العدالة الانتقالية »، ولعل راشد الغنوشي كان الأكثر وضوحا عندما قال في آخر حواراته الإذاعية بأن « الموضوع الأساسي للعدالة الانتقالية هو جرائم حقوق الإنسان وجرائم العدالة الانتقالية »، وبالتالي يتفق –من وجهة النظر هذه- مع المنطق القائل بسحب صلاحية التحكيم في الفساد المالي والجرائم الاقتصادية من هيئة الحقيقة والكرامة.

أما فيما يخص الموقف من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية فإنه في العموم كان « إيجابيا » رغم افتقاده للدقة والوضوح –مثلما عودتنا حركة النهضة- ويظهر التعاطي الإيجابي مع هذا المشروع من خلال آخر تصريح أدلى به رئيس الحركة راشد الغنوشي، حيث جاء فيه « مشروع قانون المصالحة يحتاج إلى تعديلات »، أي أن الحركة تقبل بهذا المشروع كمبدأ جديد في التعاطي مع مسار العدالة الانتقالية ولكنها لا تريد أن تظهر في ثوب الخاضع لإرادة القصر، وبالتالي ستلعب دور « المعدّل » لهذا القانون، وفي الحقيقة هذه التعديلات لن تطال الأصول العامة التي تأسس عليها القانون.

ولعل التعديلات الأساسية ستُدار في الغرف المغلقة وسيكون جوهرها « سياسي »، وستخضع لمنطق التسويات، وهي عملية كاملة ستتخلى بموجبها حركة النهضة عن ترِكَتِها التي لطالما افتخرت بها مقابل تسوية بعض الملفات العالقة في ذمتها وخصوصا الملف المتعلق بالمؤسسات المُصادرة التي تشير العديد من التسريبات إلى أن حركة النهضة تلاحقها بشأنه تهم فساد، هذا بالإضافة إلى تعزيز موقعها في الائتلاف الحاكم والحصول على امتيازات جديدة، وبالمقابل سيضمن نداء تونس تمرير مشروع المصالحة الاقتصادية بأغلبية برلمانية مريحة، وبالتالي تشكيل جبهة حزبية متماسكة تسهّل عليه تمرير مشاريعه الاقتصادية والاجتماعية وتقلص من فاعلية قوى المعارضة التي تشكو من ضعف التنظيم وتعاني من « الهامشية » البرلمانية، ولكن في نفس الوقت يظل نجاح هذه التسوية مرتهنا لمدى قدرة هذه القوى المعارضة على تعبئة الرأي العام ضد هذا المشروع في اتجاه إسقاطه…

ولادة ميساء




نهاية 




أقف أمام المرآة، للمرّة الألف.
أمرّر أناملي على وجهي، أتذكر وجهي ؟ طلما قلت لي أنّه جميل، هادئ و مضيء كنجمة ليليّة بعيدة. لكنّني الآن أراه قبيحًا، قبيحًا بشكل فظيع.
آثار الكدمات الزرقاء و الأرجوانية أحيانا تغطي كامل جسدي، بالأمس أشبعني أخي ضربا لأنه اكتشف أنني ادخّن، كلّ كدَمة تذكرني بنفس من الدخان اللذيذ الذي ملأ خلايا دماغي، ضربني شقيقي الذي يستهلك علبتين من السجائر يوميّا.
انحدر بيدي نحو ثنايا جسدي المنهك،أتلمّس الزوايا المنتفخة.. أتعلم ؟ هذا العالم بائس ، و يجعل منّا بؤساء كلّ يوم، هذا العالم عبارة عن عملية تحيّل كبيرة، قام بها الله، أو لا أعلم من قام بها حقيقة، كي يوهمننا أنّنا أحياء. و كي نتخبّط  لسنوات طويلة، سائرين بخطى حثيثة نحو الموت.
الموت، تلك الكلمة الكبيرة، كم يغريني الموت لو تعلم، و يدفعني كلّ يوم نحوه، حين أكتشف أننا لا نحيا، بل نحن في انتظار الموت الذي نخافه، و لكن لا نتوقف عن ذكره في نفس الوقت:  نحن نشاهد الموت في الأخبار، نتحدث عنه في المقاهي و البرامج التلفزيونية و الدينية و الترفيهية، نلبسه في أدبشتنا، بل نحتفي في العيد بذبح حيوان مسالم.نحن، با صديقي، حتى في أوقات الحب الجنوني ، نهتف " نموت عليك!"
لا أعلم ان كان الله على حق حين خلقني، ثم جعلني وسط هؤلاء النّاس، الجميع ينظر الي شزرا حين أمشي في الشارع، أتحوّل لقحبة لمجرّد أنني أرفض أن أتصرف كامرأة/ عبد : تعود من المعهد كي تطبخ و تنظف و ترتب أدباش أخيها و أبيها ثم تجلس كي تتحدث عن الزواج و العفّة و الشرف و الزوج المستقبلي. هل كان الله على دراية بأن مملكته التي نصبها على الأرض تتحوّل الى مذبحة يوميّة؟ هل تعمّد جعل الشرق الذي ارسل فيه جميع أنبياءه، مقبرة للنساء؟ لمَ يجرّنا جرّا نحو الموت، تلك الآلهة التي تنافسه سطوةً، و اغراءً، و خلقا من جديد؟
من أخبرك أن الموت أمر سيئ؟ هل الحياة ، بالمقابل، أمر جيّد؟ هل تسمي الاختناق اليومي ، و تلك الأيادي التي تمتد كلّ يوم كي تعبث بك، حياةً؟ أنا أأسف لحالنا فعلا، أنا ككل امرأة في الشرق، لا أجيد الدفاع عن نفسي، أكبر كل يوم و امتلأ حقدًا على اللاعدالة التي تتكدّس هنا، على الهرسلة التي تعذبنا ، نحن النساء، كل يوم. على لفظة " العاهرة" التي تتربص بنا في كل زاوية، دون أن نفلح شيئا امام جبروت هذا المجتمع، نحن نموت كل يوم مرّات، حين نحسّ بالعجز .
 انا لم أعد اطيق الموت، اريد ان اولد، ان اخلق نفسي من ممرات جديدة/ مخيفة، هذا العالم -يا صديقي- لم يعد يتسع لي، اريد جنانا فسيحة و سحابات احلم فوقها، اريد أن احيا.
سيأخذني هذا الحبل بعيدًا بعيدًا،هذا الحبل الطري سيخنقني بوطأة أقل بكثير مما أختنق كل يوم.
 ستجدني يجانبك ان احتجتني، فلا تحزن يا صديقي، و اتبعني ان شئت.



الرّسالة الأخيرة.
آمل أن تقرئي رسالتي كاملة ، و أن تتحاملي على غضبك، لأنها آخر كلمات أقولها لك..
حين كنت أستمع الى الأغنية الشّهيرة (نسيت حتى العنوان و اسم المغني، لم يعد لي ذهنٌ صاف)
                                                                                    
« only you know you love her when you let her go
And you let here go »
كنت أسخر من كاتب الكلمات ، و من المغنّي على حدّ سواء، و كنت أعتبرها مجرّد أغنية تجاريّة رخيصة، فكيف يقع أن  لا نحس بالحبّ الّا عند الفقد؟ ألا يوجد الحب في الوسط، أثناء قرب الحبيبين؟ كيف تكيّف العلاقة اذن، ك"علاقة حب"؟ أليس هذا ضربا من العبث؟
ثمّ كيف يتجرأ الحبيب على ترك حبيبته على الرّغم من أنه يحّبها أصلا؟ هل يلتقي الحب و الاهمال؟ أهو حبّ من الأساس ان كان على هاته الشّاكلة؟ ما هذا الهراء؟ لم يستمع الكثير الى هاته الأغنية ؟ يحبّونها ويردّدونها؟
لو استطعت مراسلة كاتب الكلمات اليوم، لقلت له " كم أنت رائع" ، لأنه كتب ببساطة حقيقة صرفة.
أنا y.
لم أتوقع أن أكون بهذا الغباء الشديد، كيف لم أحادثك ساعات طوالاً؟ كيف لم أستمع الى صوتك الى مطلع الفجر؟ لم أضعت الساعات في كتابة كلمات و قراءة كلمات لا تغني و لا تسمن من جوع؟ لم يصفعني النّدم كل يوم حين أستيقظ و لا أجد رسائلك المعتادة " اتصل بي، أرجوك" ؟
بلغت بي الوقاحة أن أتحدث معك بشرود، أن أمضي الكثير من الوقت شاردا، ناسيا أن يوما كمثل هذا اليوم ممكن الحدوث، يوم ألتفت فلا أجدك فيه بجانبي،و لا يبقى لي سوى اجترار أيامي معك، اجترار صورنا، اجترار رسائلنا، التحول الى جدي بليد مجترّ.. أجد فيه نفسي وحيدا بين العديد من الفتيات، التّي لا تشبهك احداهن، لا ابتسامة كابتسامتك، لا عينان كعينيك العسليّتان، لا شفتان كشفتيك، و لا حتّي تذّمر كتذمّرك، كم أشتاق الى تذمّرك و شكواك، لو تعلمين.
الكارثة أنني أتحمل نتيجة كلّ ما حصل، يأكلني الندم كل يوم، لو اهتممت أكثر بقليل، لو صمّمت أكثر، لو ضحّيت؟ الآن أفهم معنى تلك الكلمة التي رددتها كثيرا، عن ماذا تنازلت حتى أحتفظ بك بين يدي؟
لم يعد شيئ كما كان، لا الأماكن التي ذهبنا اليها سويا، لا الأغاني الّتي استمعنا اليها معاً، و لا حتى الفراش الذي يجمعنا، أصبحت أتقلب فيه دون نوم كالمسعور، لأنه لم يعد يعبق برائحتك. تحوّل كل شيء الى اللون الرمادي البارد.
لم أستطع استيعاب صورتك تحتفلين على الفايس بوك مع شخص آخر، مع وجه أصفر ضاحك و قلب.

 انا الذي يجب أن يكون معك في تلك الصورة، أنا من كان من المفروض أن يهديك وردة حمراء، و أن بعزف لك مقطوعة !جميلة ، و يجلب لك خاتما تحلّين به بنصرك  
أعلم أنك على الرغم من رمز الوجه الضاحك الذي أرفقته بالصورة، الا أنه بالفعل ، ضحكة "صفراء" ، لأنني رأبت حزنا عميقا في عينيك، كإعلان للهزيمة، أو قبول لما آلت اليه الأمور ، أمور كنت انا المسؤول الأكبر عنها بتعجرفي.
بدأ الجميع بمواساتي عبر اسطوانة النسيان و الآخر الذي سيأتي لانتشالي و تحذيري الشديد من محاولة الاتصال بك أو الضهور بمظهر الضعيف أمامك كي لا أفقد المزيد و لا أتألم أكثر، الّا أنني لا أعبأ كثيرا بنصائحهم الجاهزة، فها أنا ذا  أعلن هزيمتي السّاحقة أمام حبّك القاتل، و سقوط كلّ شيء في مستنقع عكر مع غيابك و رحيلك "الرّسمي" هذه المرّة.
كيف سأواجه هذا العالم دونك؟ كيف سأذهب الى الكليّة وحيدا؟ ألن تأتي ككل يوم كي نذهب معًا؟ كيف سأتحمّل رؤيتك من بعيد دون الجلوس بقربك و معانقتك؟ بل كيف أتحمّل فكرة أن يعانقك شخص آخر،أو يقبلك شخص آخر، !غيري أنا؟ يا الهي
كنت أفزع كثيرا من فكرة الزّواج، و الارتباط بشريك واحد يخنقك كلّ يوم، و كنت شديد التأثر بالنظرية اللينينيّة التي تعتبر أن الزواج ليس الا ضربا من احتكار لجسد المراة على الطريقة الرأسمالية،  و ليس اذن، الا نوعا من الاستعباد للطرّفين.
كم أتمنى اليوم، أن أصبح عبدك، أن أتحوّل الى خادم لك،كم كنت تافها حين اعتبرت الزواج بانسانة مثلك ضربا من الاستعباد، فكم كنت حرّا و أنت بين ذراعيّ، و كم كنت سيّد نفسي حين أساعدك في كتابة الدرس في المحاضرة أو حين تقومين بنسخ ما ينقصني، !كم أنا اليوم عبدُ الوحدة، و أسير النّدم، و سجين الاحتياج لكلمة منك
لن أطلب منك شيئا، لأني جئت متأخرا كثيرا، أنا الآن الخاسر الكبير
أردت فقط أن لا أظل صامتا، لأن الصمت يخنقني و يقتلني كلّ يوم، لأنني أنهار يوما بعد يوم دونك، و أفقد المزيد من الوزن ، و تدهور صحتي بشكل مستمر،.أردت فقط، أن تستمعي اليّ قليلا، مثلما استمعت الى هرائي كثيرا لأشهر.
أتمنى أن تجدي السعادة في حياتك الجديدة ، لكن تأكدي جيدا أنني لا أزال أحبك بشدة، و أنني أتألم كل يوم، كل دقيقة، لكني لا 
أستجدي أيّ عطف منك ، أردت فقط، كما قلت، أن تستمعي لي.



أضغاث منتصف الليل



اليوم عدت في سيارة أجرة تجري بسرعة كبيرة مئة كيلومتر مئة و خمسون مئتان تطوي الجبال ثم السهول الخضراء ثم الزياتين و الزياتين و الزياتين بلا نهاية ارى فلاحين و فلاحات يحملن أخشابا على ظهورهن أطفالا يلوحون بأيديهم الى السيارات بسعادة تلقائية ريف شاسع ممتد بلا نهاية لا تشوهه عقد المدينة و أمراضها النفسية آه من المدينة شوارع لا تنتهي تمتلأ بالناس يمشون دون توقف الجميع عابس مهموم شارع الحبيب بورقيبة شارع قرطاج شارع مرسيليا شارع الهادي نويرة شوارع شوارع شوارع متروات خضراء، اللص، الدو التروا الكات السانك السيس ثمة مترو آخر وراه سيب هاك الباب يا راس اللحم يا مصطك سيب هاك الساك خبي هاك التلفون نطروهولك حافلات صفراء قدم القدام الوسط فارغ عمال و موظفون مطحونون طلاب جائعون بطالة هائمون روائح كثيرة دزّ و لزّ و عفس المحطة الجاية اهبط مقهى تليها مقهى و بين كل مقهى و مقهى قاعة شاي واحد كابوسين زوز اكسبريس ثلاثة تاي قهاوي فيها الفقراء و أخرى فيها الأغنياء بونجور موسيو بونجور مادام ديراكت كراوسون تيراميسو القهوة بخمسة دنانير كل هذا الجمع له خمس دنانير ليضعها في رشفة قهوة و انا لا املك دينارا واحدا ميتين حق خبزة دينار لايت ثلاثة لاف باكو دخان خمسة لاف طبعان كور في الكلية في الكمبيس مليء بالطلبة طلبة حقوق طلبة هندسة طلبة اقتصاد طلبة علوم طلبة بهايم بهيم مسطك ما تفهم شي معندك وين توصل شهادتك بلها و اشرب ماها سد بيها امسح بيها


موت موتي موتوا


______________________________________________________





اﻟﺮﺍﺑﻊ ﻋﺸﺮ ﻣﻦ ﻓﻴﻔﺮﻱ .


ﻣﻨﺘﺼﻒ ﺍﻟﻠﻴﻞ .


ﺣﺒﻴﺒﺘﻲ،


ﻏﺪﺍ ﻋﻴﺪ ﺍﻟﺤﺐ، ﺍﻭ ﻫﻮ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻚ،ﺣﻴﻦ ﺗﻘﺮﺋﻴﻦ ﻓﻴﻪ ﺭﺳﺎﻟﺘﻲ. ﻳﺤﺘﻔﻞ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﻌﺸﺎﻕ ﺑﻌﺸﻘﻬﻢ،ﻭ ﻳﺘﺒﺎﺩﻟﻮﻥ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺎ ﻭ ﺍﻟﻘﺒﻞ .


ﺗﺘﻨﻮﻉ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺎ ﻭ ﺗﺘﻌﺪﺩ، ﻣﻦ ﺑﺎﻗﺔ ﺍﻟﻮﺭﻭﺩ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ ﺍﻟﻰ ﻗﻨﻴﻨﺔ ﺍﻟﻌﻄﺮ ﻭ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺍﻟﺜﻤﻴﻨﺔ ﻭ ﺍﻟﻘﻼﺩﺓ،ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻬﺪﻳﺔ ﺍﺟﻤﻞ ﻛﻠﻤﺎ ﺍﺭﺗﻔﻊ


ﺍﻟﻤﺒﻠﻎ ﺍﻟﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﻱ ﻟﻘﻴﻤﺘﻬﺎ، ﻫﻜﺬﺍ، ﻳﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﺤﺐ ﺍﻟﻰ ﻗﻴﻤﺔ ﻧﻘﺪﻳﺔ، ﺍﻟﻰ ﺭﻗﻢ.


ﺃﻧﺖ ﺗﻌﻠﻤﻴﻦ ﺟﻴﺪﺍ ﺍﻧﻨﻲ ﻻ ﺍﻣﻠﻚ ﻣﺎﻻ ﻛﻲ ﺍﺷﺘﺮﻱ ﻟﻚ ﺍﻱ ﻫﺪﻳﺔ ﺛﻤﻴﻨﺔ ﻛﻤﺎ ﻳﻔﻌﻠﻮﻥ، ﺗﻌﻠﻤﻴﻦ ﺍﻧﻨﻲ ﺑﺎﻟﻜﺎﺩ،ﺁﻛﻞ ﻭ ﺍﺷﺮﺏ، ﻭ ﻟﻮﻻﻙ،


ﻟﻈﻠﻠﺖ ﺟﺎﺋﻌﺎ ﺍﻳﺎﻣﺎ ﻛﺜﻴﺮﺓ.


ﻳﺤﺰ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ،ﻓﺎﻧﺎ ﻻ ﺍﻣﺘﻠﻚ ﺍﻭﺭﺍﻗﺎ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻛﺎﻻﺧﺮﻳﻦ،ﺧﻀﺮﺍﺀ ﻭ ﺯﺭﻗﺎﺀ ﻭ ﺑﺮﺗﻘﺎﻟﻴﺔ، ﺧﺸﻨﺔ ﺍﻟﻤﻠﻤﺲ،ﻳﻔﻌﻠﻮﻥ ﺑﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ.


ﺍﻧﺎ ﻻ ﺍﻣﻠﻚ ﺳﻮﻯ ﺣﺮﻭﻑ ﺍﺧﻠﻖ ﺑﻬﺎ ﻛﻠﻤﺎﺕ ﻭ ﺟﻤﻼ ﻭ ﻣﻘﺎﻃﻊ، ﺗﺘﺠﻤﻊ ﻟﺘﻜﻮّﻥ ﺍﻓﻜﺎﺭﺍ، ﻗﺪ ﻻ ﺗﻘﺪﺭ ﺗﻠﻚ ﺍﻻﻭﺭﺍﻕ ﺍﻟﻐﺮﻳﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﻤﻰ


ﻧﻘﻮﺩﺍ ﺍﻥ ﺗﺎﺗﻲ ﺑﻬﺎ.


ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻣﺎﻣﻲ، ﻭ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺋﻲ، ﻓﺎﻳﻦ ﺍﻟﻤﻔﺮ، ﺍﺟﺪ ﻧﻔﺴﻲ ﺍﻫﺪﻳﻚ ﻛﻠﻤﺎﺕ ﻣﺮﺓ ﺍﺧﺮﻯ، ﺍﻫﺪﻳﻚ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﻗﺮﺍﺗﻬﺎ ﻭ ﻭﻗﻌﺖ


ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ، ﺍﻓﻼ ﻳﺴﻌﺪﻙ ﺫﻟﻚ؟ ﺍﻥ ﻧﺘﺸﺎﺭﻙ ﻧﻔﺲ ﺍﻻﻣﺎﻛﻦ، ﻭ ﺍﻻﺣﺎﺳﻴﺲ، ﻭ ﺍﻟمﻮﺍﻗﻒ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺭﻕ؟


ﭐﻣﻞ ﺍﻥ ﺗﻔﺮﺣﻲ، ﺣﺒﻴﺒﻚ ﻣﻔﻠﺲ ﻛﻜﻞ ﻳﻮﻡ،ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺤﺒﻚ.


ﻣﺠﻨﻮﻧﻚ


__________________________________________________________________________________


اذكر انه حين كنا صغارا،كنا نتسلى بالعاب في غاية البساطة،و انها،على بساطتها، كانت اجمل بكثير من تعقيدات اليوم.


كانت الكجة (البيس) لعبة اساسية في حومتنا،تنظم مبارزات طويلة،ترشحات و بطولات،من اجل الظفر بالكجات الثمينة .


كانت كرة القدم ايضا انذاك لا تتطلب انخراطا في اكاديمية رياضية او اكتراء ملعب كاليوم، طوبتان كبيرتان تفيان بالغرض كعوارض ممتازة،كانت مباريات كرة القدم لا تتوقف،بكرة نتشارك ثمنها،و تبيت كل ليلة لدى احدنا .


اذكر ايضا اننا صنعنا سلة لكرة السلة، الى جانب شبكة لكرة اليد. كنا نستمتع بذلك على الرغم من بساطة ما نصنعه،فقد كان انجازا كبيرا بالنسبة لنا.


لم يعلم احد وقتها بالنهايات المريرة التي ستكون، او بجبل الهموم و الخيبات الذي ينتظر كل احد منا.


اتمنى من هذا العالم يوما واحدا و انا طفل،يوما واحدا فقط.


__________________________________





ريتا.


يا أجمل مخلوق في الكون.


انّ كمّ البشاعة الموجود في هذا العالم يضمحّل أمام وجودك، ينكسر و يختفي..شعرك الفاحم كليلة طويلة،عيناك التي أضيع فيهما،شفتاك الصغيرتان كحبّتي كرز شهيّتين..جيدك الغائر و نهداك المتمردان كثائرين صغيرين..


تتهادى ريتا كل يوم من شقتها بنهج بن خلدون الى مدرسة اللغات بشارع الحرية،في مشية عفوية هادئة.. مالذي أتى بك الى هته الربوع؟ أتتركين الشمال الأخضر الجميل، و تأتين هنا، حيث يموت الحلم؟


تحفّك الطيور بظلها ، يموء القطّ تحت قدميك و يلفّ ذيله حوله ، تخفّف الشمس حدّة أشعّتها رفقا بك..و تزيد نسمات الهواء من سرعتها كي تداعب خصلات شعرك..


تمرّين أمامي،كلّ يوم تقريبا،و أنا ألقي الفطائر في الزيت..تتفجّر الفقاعات محدثة ضجيجا..لا تلقين السلام..لا تنظرين اليّ، التقت عينانا مرة صدفة، لجزء من الثانية، فسقط قلبي في الزيت مع الفطائر..


شعري الأغبر،وجهي الملوّن، شفتاي الغليظتان، ملابسي المليئة ببقع الزيت، لن تثير اهتمامك، أنا أمامك كالقط، كالبعوضة،كالفطيرة النيّئة..


مشيت خلف ريتا، راقبت عجيزتها،اقتربت،عطر أصابني بالدوار.


-ماذا تريد؟


-اتبعيني.


-اتركني!


صحيح أنني اغتصبت ريتا، لقد توسلتني أن لا أقتلها.


و لم أقتلها!


______________________________________


عن المدينة و الموت و حبيبتي.


أمور لا طالما أثارت حيرتي..مدينتي.الموت.و أنتِ.


أتشبهني مدينتي أم أشبهها؟ في الحيرة،في التداخل،في محاولة الجمع بين التناقضات،في الطرق الملتوية و المنعرجات التي تنتهي بجدار أمامك.سكيرون مصلون،متسولون أصحاب سيارات فارهة،عاهرات تختفين وراء نقاب. و عفيفات في ماخورنا.تموت مدينتنا و تختنق بالأضداد،مثلي أنا تماما..أو مثلها أنا تماما.


عن المدينة:*


أمشي بين شوارع المدينة،نسيت اليوم أن آخذ معي أقنعتي، أصبح التجول دون أقنعة في الشارع جريمة يعاقب عليها القانون.يجب استعمال قناعين على الأقل في اليوم، والا فستعرض نفسك للمسائلة المجتمعية .


أجلس في المقهى، نتفرج جميعا في التفجيرات على شاشة التلفاز،ككل يوم، ينزع البعض أقنعتهم و يستبدلونها. رأيت احدى النساء تتحول الى رجل، و أحد الرجال يتحول الى ديك،بل دجاجة. يتضاجع اثنان ثم يذهبان سويا الى المسجد، ينتظرهما الله و ملائكته هناك، لا أظن أنهم خرجوا يوما من المسجد.


عن الموت:*


نخاف الموت، نخاف تلك اللحظة التي نتوقف فيها عن الحياة، عن النبض،عن الرؤية، عن الحب.أضن أنني توقفت عن ذلك منذ فترة طويلة، و أنني أتوهم الحياة.هل يعيش البشر على هذا المكان البائس؟


عنك:*


تتجمع فيك كل كبرياء الأنثى، تتعمدين تمريغ أنفي بالأرض، بحاجبيك المهزوزين دوما، ضحكتك الرنانة، و لا مبالاتك.


هل أحببتك و أحببتني و مارسنا الحب؟ أظن أنني أتوهم ذلك أيضا، لأنني حينما استيقظت، لم أجد سوى وسادة سوداء و خصلة من شعرك و رائحت عطرك تملأ المكان..


***


يأتي القطار أخيرا، أصعد به،يغادر المدينة و جزء مني بقي هناك، نبتعد عنها ، نبتعد عنيّ، نبتعد عنك.. يخرج القطار فجأة عن السكة و تسقط العربات في المنحدر، صراخ و عويل و أصوات ارتطام ثم ظلام يلف كل شيئ. أ هو الموت؟






________________________________________________


___________________












الحب صعيب.


العربي يحب سارة من أيامات الليسي.،ملّي قرو مع بعضهم و تحديدا نهارت لي خدملها تمارين الفيزيك.بالأيامات ولى يعرف الي الحب في تونس صعيب،مخنوق، مرّ كالحدج، يتعب أعظم مالمرمة،كي كبر شوية ولّى يدادي و ينادي باش يدبر حق البرومو في البورطابل. و ينجم يكلم سارة في الليل، يسمع صوتها توشوش و هو يتعصر.زاد خدم في قهوة جارهم حمد في الصيف باش عمل الانترنت في دارهم و يولو ينجمو يحكو بالسكايب و الفايس بوك. يشوفها بالفيديو و يضيع في الشعر و الزنود و بلايص أخرين.على طول النهار متمسمر كالصمبة ڨدّام "الأورديناتور" لي شراه مستعمل من عند ولد حومتو بكّار متاع الاعلامية.


العربي و سارة نجحو الباك،فرحو الزرز و شافو الدنيا روز و محلاها.دخلو للجامعة ،هي تقرى تصرّف وهو يقرى ميكانيك خاطرو يحبو برشة و يتمنى يشري كرهبة و يصلحها وحدو نهارت لي تعدم.


مع الأيامات الأمور زادت تعقدت، ولى لازمو يخرّج الطفلة و يعملو قهاوي و يتكيفوا، و هو لازم يخلص بحكم انو هو "الراجل" في الڨعدة، بعد مدّة فاقت بيه سارة يتسلف باش ينجم يقهوج ياخي ولات تخلّص هي أكثر من مرّة و متصبش بزايد ايصونص في كرهبتها.


منجموش نڨولوا الاّ الي الاثنين حبوا بعضهم ببرشة هبلة.خرجوا،هربوا،شطحوا،سمعوا الغنا،نڨّزوا،شفايف سارة كانت تدخّل العربي الجنة كي يبوسهم،و ريحتها كانت تخليه يڨلّع و يطير و يجنح في السماء.


الأعوام تعدات و العربي و سارة كملوا قرايتهم و تخرجوا. الدنيا بدات تكحال و الواقع نحى الماسك لي لابسوا أيامات الغفلة و ورى وجهو الصحيح، عربي ما لڨى ما يعمل بالاجازة متاعو، و مقبلوشو في الماستير خاطرو متلاكش مع أستاذ (بكلمة من أستاذ في المجلس أمسح مات على المرحلة الثالثة) فركس على خدمة في البلايص الكل، عمل مطالب و عدّى مناظرات و شد الصف في السفارات سوايع كالكلب و رجليه حفات.اما سارة خدمت من أول عام في بانكا في المنزه، نص ساعة عالدار.أكهو الدنيا زهورات و شوية معارف.


تعدت السنين و مات الحب، وعرست سارة بولد واحد من معارف باباها، ولد عايلة و ناس كيفها.العربي ولى يخدم في الشوانط و حلمو يلم حق ماستير في جامعة خاصة. هذاكا الحب في تونس، يعيش كالحلمة ،و يوفى فيسع كي نفيقوا منها..

حُلم



كم أحلم، بالقاء كل شيء وراء ظهري، بأن أترك كل شيء، الجامعة، و العمل، و العائلة، و نفسي، و أن أحمل ذاتي التائهة فقط، و أطير.


كم أتمنى أن أكون بجناحين، أن أطير عاليًا، كي أتفرج على العالم من الأسفل، صغيرًا صغيرًا، حتى يستحبل مجرد سراب، ثم أتخذ من سحابة مسكنا لي.


أريد أن أرقص، أن أرقص كثيرا، و أنا ثمل، لا عقل لي، و لا رأس يحمل تلك الأفكار الكثيرة المتصارعة المتعِبة، أن تحمرّ وجنتاي فرحًا، و رقصًا، و ثمالةً، و أصبح جزءًا من الموسيقى الصاخبة التي تُعزف، أتوحد بها، فأطير بطريقة أخرى، بأجنحة جديدة.


أريد أن أحمل حقيبة صغيرة، تحمل أوراقا و كتبا، و أرحل الى غابة منعزلة، على شاطئ صغير، فأبني لنفسي هناك، بيتًا من ورق، و أعيش سعيدًا، دون حرب أو نزاع أو حافلة و سيارة أجرة أو اشارات مرور حمراء و برتقالية و خضراء أو رجال شرطة و وزراء و نشالين و أبواق سيارات و شجار مارّة، أصبح ملكا لجمهوريتي الصغيرة، جمهورية الورق.


كم أريد، أن تكون لي يوماً ما، حبيبة، حبيبة حقيقية، تحبني فقط، أنا الرجل المهزوم المتعب، ترافقني في رحلة الطيران، و الرقص، و الثمالة، و مملكة الورق، فنرقص كثيرًا، و نطير أكثر، ثم نمارس الحب في طيران جديد.





كم أتمنى و أتمنى، و كم تبدو لي هاته الذات البشرية معذبة، بائسةً، لا تملك غير الأحلام لتعيش بها، وسط هذا الخراب الكبير، الذي يسمى وجودًا.


أحياناً أتساءل، هل لنا الحق في الحلم، هل الحلم "مشروع" أم هربٌ زائف، هل نحمل الخراب على ظهورنا، و ننساق فيه، نغرق، نتصارع معه، أم نحمل مدافع أحلامنا، و نصوبها تجاهه، و نطلق أحلاما في كل الاتجاهات، و نخلطها مع الواقع، كي نخلق فوضى أجمل؟


هل وجودنا العدمي يبتلعنا، أم سنبتلعه؟

خيانة مرضيّة - قصّة/رسالة.

حبيبتي..
بأية كلمات أواجهك، أي كلمات ستنقذني هذه المرة.
هذه المرة، يتصادم كل شيء، يصبح الأمر شبيها بقطع الدومينو التي تتساقط قطعة تلو الأخرى، تكون كل قطعة سببًا في سقوط القطعة الأخرى، حتّى يقع السقوط المدوّي الكبير..
خيانة، و وَرم..
لا يقبل أحدهما التصديق أكثر من الآخر.
خبران من النوع الثقيل..
حبيبك، الذي يعشقك، كاهن معبدك، مجنونك، يخونك؟ أتظنيني أنني سأنكر الخطأ الكبير؟ ما سأفسره فقط أن ما وقع لم يكن سوى مازوشية مريرة مني، هوًى بتعذيب نفسي، بتحسيسها بالذنب و بعدمية الأشياء، لا تعلمين كم يتضاعف ذلك الاحساس بلا عدمية الأمور حين تحس باقتراب النّهاية..
كان الأمر حين دخلت لقسم الاستعجالي في مارس الفارط، باصرار شديد من أمي توجهت الى طبيب مختص في الامراض القلبية، لتكن النتيجة صادمة، ورم سرطاني في أولى مراحله.. ورم ليفي ملس ،لا يتعدى معدل اصابته المرة في
في السنة، لتصيبني تلك المرة، بورم لا يمكن علاجه حتى بالعلاج الكيميائي، بل بطرق ملتوية ..
أصابني الهلع، سقط كل شيء، سقطت أنا من مرتفعات الاشياء التي كنت أحلم بها، رأيتك أنتِ و أصدقائنا و مدرسة المهندسين و معرض لوحاتي و و أمي و أبي و اخوتي رحمة و غسان و مرام و ابننا قَمر بقدميه الصغيرتين و عينيه الكبيرتين و شعره الأسود و ابتسامته العريضة و غرفة نومنا و شعرك البني و عيناك العسليتان و شفتاك الرائعتان و ذهابنا و مجيئنا و قبلاتنا و حديثنا و صراخنا و ضحكنا و بكاءنا و نومنا و حبّنا و همساتنا و المحاضرات في الكلية و المشربة و الدروس و الأوراق و الأقلام و الأساتذة و العميد و اتحاد الطلبة و حجرة سقراط التي كنا نزروها في كلية الحقوق و كل شيء..
انهار كل شيء على رأسي، مدوّيا ثقيلا..
دخلت في مرحلة جنون هستيرية، لا علاقة لها بأي تصرّف عقلاني أو صحيح.
مالذي يجب أن أفعله قبل أن أموت؟ هل أخبرك؟ لا، أبدا ، يجب أن أخفي عنكِ الأمر، يجب أن تستمر حياتنا طبيعية لا تشوبها شائبة.
لا أيضا، لا هذه و لا تلك، لا يجب أن تمضي حياتك مع عليل لن يستمر طويلاُ، يجب أن أتحوّل الى سافل كي تكرهيني، يجب أن لا تشعري بالذنب ، كيف أشعر حبيبتي بالذنب و بلوعة الفقدان؟ يجب أن أكون ذلك الدنيء الذي يخونها فتتركه مرتاحة الضمير و تعيش سعيدة.
لم أتحمل قيامي بالخيانة، قمت بالتقيأ على صدار أول عاهرة تأتي الي، فقامت بلملة أدباشها متقززة، و لم تتغير السيناريوهات في المرتيْن الأخريين، قمت بطرد الثانية و الاختباء في المرحاض كالجرذ، و بالدخول في هيستيريا من الصراخ و السباب أمام الثالثة.
لم أكن أنا حينها، كان الورم يحرّكني، كان الموت المقترب يرسم قراراتي العرجاء التي يتخذها، لكن في نفس الوقت كنت أتمزق من الداخل و أنا أرى ذنوبي أمام آلهتي تتعاظم، أي ماء سيغسلني أمامك؟ أي قربان سيجعلني أحظى بالمغفرة منك؟
كم من الخيانات تقع، و تكون نتيجتها كارثية، تنتهي  بانفصال عنيف.. الخيانة اختبار، و قليل من الأحباء ينجحون، فهل ننجح؟ هل تتفهمين خطئي المجنون؟ هل تنتصرين لعشقي لكِ، و لموتي دونك؟ أتوسل لكِ، أن تكوني كبيرة كالعادة، ان تكوني آلهة لا ينتهي عطاءها كم عهدتك.
الندم يأكلني، يعتصرني، يتضاعف معه ألم الورم، احتراق في الليل و كأن قلبي تأكله شرارات من النّار، أتمنى لو أملك الفرصة من لدنِك كي أقلب كلّ شيء، كي أحارب حتى النهاية، لأنني لم أتوقع أن يتربص بي الموت بهته الطريقة.
حبيبتي، أعدك بأنني سأتعالج، العلاج ليس كيميائيا، طريقة العلاج أبسط، أنا، أحتاجك بشدة، أنا أموت دونك، ربّما كنت تظنينه تعبيرا مجازيا عن حب شديد، لكنه يصف بطريقة دقيقة حالتي الصحية..
أحيانا أظن أن معيار الزمن قد اشتغل بالمقلوب، أي أنّني نلت العقاب قبل الخطيئة، كان الورم السرطاني عقابا لخيانتي الهوجاء، العقاب قبل الخطأ، هل هذا ممكن؟
الأمر الوحيد الذي لا يتزعزع داخلي، ان شفيت أو رحلت، هو أن طاقة حبك لا تنضب، حبّك هبة من الحياة، نور، ترياق، أمل، عطاء، أي كلمة تصفه؟
حبّك نهاية النفق، عكس الظّلام، رسالة الالهة الى عبدها أن أحبّك فأطعني..
لن أستطيع العيش دون حبّك، فلتغفري لي يا حبيبتي، فلتغفري..